الصحراء في موسم الحصاد: كيف تقود الجزائر أكبر ثورة فلاحية منذ 1962
Yacine Bensalem — Alger, Algérie — 2026-09-06
مشهدٌ من السماء فيه ما يأسر. ففي الوادي كما على مشارف تيميمون، تسجّل الأقمارُ الاصطناعية، عامًا بعد عام، دوائرَ خضراءَ جديدة تُنقش في الرمال: دوائرُ ريٍّ محورية تُنبت القمحَ والذرةَ والبرسيم حيث لم تكن تسود، حتى الأمس، سوى السهوب. وعلى الأرض، الدليلُ نفسه: الجزائر تعيش أكبرَ تحوّلٍ فلاحيٍّ منذ الاستقلال. وهذه المرة، لم يعد الأمرُ يُقاس بالخطابات، بل بالهكتارات المسقية، وبالأقنطة المحصودة، وبالأطنان — أرقامٌ تسند كلَّ كلمة.
وتعطي نتائجُ موسم حصاد 2026 النغمةَ. فوفق منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، في تقريرها الصادر في 30 يونيو 2026 عن نظام المعلومات والإنذار المبكر (GIEWS)، حصدت الجزائر نحو 5 ملايين طنٍ من الحبوب — أفضلُ محصولٍ لها منذ 2019، بعد 4,2 ملايين طنٍ في 2025. والأكثرُ دلالةً: أن إنتاجَ القمح الصلب، ملكةِ الحبوب في الكسكس والمعجنات، تجاوز 24 مليون قنطار، وهو مستوىً لم تبلغه منذ 1962. وهذا المحصولُ هو الذي يقرّب البلاد من هدفها التاريخي: صفرُ وارداتٍ من القمح الصلب في 2026.

والأجملُ لم يأتِ بعد. إذ تُقدَّر المساحةُ الفلاحية الإجمالية للجزائر بنحو 45 مليون هكتار، لا يُستغل منها اليوم سوى 8,5 إلى 8,6 ملايين هكتار. وبين سهول الشمال والهضاب العليا والصحراء، تبقى هوامشُ التقدم هائلةً — وهذا الاحتياطيُّ من الأرض تحديدًا هو ما يثير فضولَ المستثمرين الأجانب. ويشغّل القطاعُ اليوم 2,6 مليون جزائري، وفق الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار (AAPI)، ويمثّل نحو 14,5% من الناتج الداخلي الخام، حسب البنك الدولي. وكلُّ هكتارٍ يُستعاد من الهجران هو نقطةُ نموٍّ تكسبها البلاد.
ولا يُولَد أيُّ حصادٍ صحراويٍّ من دون ماء، وقد فهمت الجزائرُ ذلك: فالريُّ، الذي يغطي اليوم 2,1 مليون هكتار، يجب أن يبلغ 3 ملايين هكتار. أما برنامجُ استصلاح 500 ألف هكتار في الجنوب، الذي انطلق عام 2024، فيقوم على الخزان الجوفي الألباني — ذلك الاحتياطي الجبار من المياه الأحفورية في الصحراء — لتغذية واحدةٍ من أوسع شبكات الري المحوري في إفريقيا. وبالتوازي، يتجه الجهدُ صوب الساحل: 27 محطةً لتحلية مياه البحر، باستثماراتٍ تُقدَّر بنحو 8 مليارات دولار في أفق 2030، يفترض أن تؤمّن مياهَ الشرب للمدن وتُحرر المواردَ التقليدية لصالح الأرض.

وعلى رأس هذا الفتح يقف أبطالٌ بمستوياتٍ دولية. ففي أدرار، ينشر العملاقُ القطري «بلدنا» استثمارًا بقيمة 3,5 مليارات دولار على مساحة 117 ألف هكتار: من 240 ألفًا إلى 270 ألف بقرةٍ حلوب، ونحو 200 ألف طنٍ من مسحوق الحليب سنويًا، ووصولًا مبرمجًا، ابتداءً من نوفمبر 2026، لـ30 ألف بقرةٍ من سلالة هولشتاين الأمريكية، ليكون واحدًا من أكبر المزارع المتكاملة في القارة. وفي تيميمون، تستثمر الشركةُ الإيطالية «بونيفيتشي فيراريزي» في تهيئة 36 ألف هكتار بأكثر من 400 مليون يورو؛ وقد جُني حصادُها الأول لموسم 2025-2026 بالفعل. أما الذرة، فتنحدر صوب أقصى الجنوب: 6400 هكتارٍ في أدرار، و22 ألف هكتارٍ في المنيعة، بما يؤمّن تغذيةَ الثروة الحيوانية الوطنية.
غير أن الأكثرَ إبهارًا يبقى الإنتاجيةُ. ففي الأقطاب الصحراوية بتيميمون وستاه أغروت، تتجاوز المردوديةُ 80 قنطارًا في الهكتار، بينما يبلغ المعدلُ الوطني نحو 30 قنطارًا فقط، وفق وزير الفلاحة السيد وليد، في 16 مايو 2026. ولم يعد الصحراءُ يكتفي بتعويض نزواتِ سهول الشمال: فبفضل التدبير الدقيق للمياه والمحاور الدوّارة، بات يتفوّق عليها. وهكذا، فإن الثورةَ الخضراء الجزائرية لا تُخاض في غزو هكتاراتٍ جديدة بقدر ما تُخاض في انفجار المردودية في الهكتارات المفتوحة أصلًا.

لقد حصلت السيادةُ الغذائية، تلك الكلمة التي طالما رُدِّدت كنوعٍ من التراتيل، على تاريخٍ محدد: 2026، عامُ صفر وارداتٍ من القمح الصلب — المادةِ الأولية للمعجنات والكسكس، وأساسِ الاستهلاك الوطني. لكن الوضوحَ يظل مطلوبًا: فالقمح اللين، قمحُ الخبز اليومي، ما زال يُستورد بنحو 9,2 ملايين طنٍ سنويًا، كما تذكّر وزارةُ الزراعة الأمريكية (USDA). الاكتفاءُ الذاتي في طريقه إلى التحقق؛ لكنه لم يتحقق بعد. وهذا الصدقُ بعينه، بالأرقام الداعمة، هو ما يجعل المسارَ ذا مصداقيةٍ في عيون الفاعلين الدوليين.
ولأولئك الفاعلين تحديدًا، وللجالية الجزائرية، الرسالةُ واضحة: لقد توقف البلدُ عن الانتظار. الأراضي مفتوحة، والمياه معبّأة، والشراكاتُ الأجنبية — من «بلدنا» إلى «بونيفيتشي فيراريزي» — موقَّعةٌ ومؤمَّنة. لم تعد الجزائر تريد إطعامَ نفسها فحسب: إنها تريد أن تصير واحدةً من مخازن الحبوب في إفريقيا، القارةِ التي سيتواصل نموُّ طلبها الغذائي مع نموها الديمغرافي. فالاستثمارُ في الأرض الجزائرية هو الاستثمارُ في أكثر أسواق القرن 21 أمانًا: سوقِ الغذاء.
في 1962، اكتشفت الجزائرُ المستقلةُ فلاحةً منهكة، مفرغةً من رجالها ومعارفها. وبعد أربعةٍ وستين عامًا، تكتب الأرضُ نفسُها مصيرًا آخر: خمسةُ ملايين طنٍ محصودة، ومردوديةٌ صحراويةٌ قياسية، وشعبةُ حليبٍ تولد للتو، وهدفُ القمح الصلب محقَّق. ومن أعلى محاورها الدوّارة في الوادي، تنظر البلادُ إلى الأفق من دون ارتعاش: لم يعد الرملُ حدودًا، بل حصادًا. وأكبرُ تحوّلٍ فلاحيٍّ منذ الاستقلال لم يبدأ سوى بدايته.