الجزائر تعتلي أجواء الجنوب: 17,8 مليار دينار لمطارات وشحن وخطوط جديدة — الصحراء لم تعد حدودًا
Sofiane Hamdi — Alger, Algérie — 2026-09-09
ثمة أرقام لا تُخطئ، وهذا الرقم يُدوّخ من ظنّوا أن الجنوب الجزائري الكبير محكومٌ عليه بالعزلة: 17,8 مليار دينار من اعتمادات الدفع — في حدود 130 مليون دولار — خُصصت للبنى التحتية المطارية في سنة 2026، مقابل 913 مليون دينار فقط في السنة التي سبقتها. أي ما يقرب من عشرين ضعفًا في عام واحد. وخلف هذه الأرقام، التي أعلنها وزير النقل، إرادة سياسية واضحة يحملها الرئيس عبد المجيد تبون: أن لا تظل الصحراء الجزائرية أقصى أطراف التراب الوطني، بل أن تصير المنصة اللوجستية للقارة. فالجزائر لا تُخرج مناطقها البعيدة من العزلة بدافع الشفقة؛ إنها تحوّلها إلى مفترقات طرق — وهنا يكمن الفرق كله.
لننظر إلى تمنراست، فهي رمز هذه الديناميكية. فمطار عاصمة الهقار مُقدَّرٌ له أن يصبح قطبًا جويًا قاريًا: منطقة شحن على مساحة 64 000 متر مربع أُطلقت دراستها تحت إشراف مؤسسة تسيير خدمات المطارات (إيچسا)، ثم توسعة لصالة المسافرين على مساحة 4 000 متر مربع. والهدف، كما يقول الرئيس المدير العام لإيچسا، جعلُ تمنراست «منصة لوجستية للتبادل التجاري بين شمال القارة الإفريقية وجنوبها» — قاعدة متعددة الوسائط يلتقي فيها الشحن الجوي بالنقل البري لشركة لوجيترانس، في مشروع متكامل يجمع بين الطريق والجو. ولنترجم ذلك إلى لغة المستثمر: أمتار مربعة من قدرات الشحن تتحول إلى تدفقات بضائع وإيرادات ووظائف — وبوابة دخول نحو الساحل الإفريقي وعمق القارة، على بضع ساعات طيران من نيامي وباماكو ونجامينا.
ولا يتوقف المجهود الوطني عند تمنراست. فميزانية المطارات لسنة 2026 ترصد 7,9 مليار دينار من اعتمادات الالتزام — في حدود 58 مليون دولار — مع توسعات كبرى لمطار محمد بوضياف بقسنطينة ومطار الصومام-عبان رمضان ببجاية، دون إغفال المطارات الجهوية الصغيرة كمطار قمار بولاية الوادي، حيث تُدرَس قاعة صعود جديدة. وفي الجنوب الغربي، تُعِدّ ولاية بني عباس مطارًا دوليًا في منطقة زغمرة، على طول الطريق الوطني رقم 6، بدعم من إيچسا-وهران: بوابة دخول إلى الساورة وواحاتها وتراثها ومستثمريها. والدولة لا تنثر المال جزافًا؛ إنها تهيكل وتُقدّر وتُلزم — ولاية بعد ولاية، من الشمال إلى الجنوب الكبير.
ولأن بنية تحتية دون خطوط تشغيل لا تنفع، فإن الشبكة الجوية تسير على المنوال نفسه. أطلقت دوميستيك إيرلاينز، الفرع الوطني المخصص للرحلات الجوية الداخلية، دفعة من ست خطوط جديدة تربط الشمال بالجنوب الكبير: الجزائر-بشار عبر وهران، والمنيعة-عين صالح-الجزائر، وجانت-تمنراست عبر إليزي، وتمنراست-الجزائر عبر جانت، وتيميمون-الجزائر عبر وهران، وبشار-الجزائر عبر وهران. أسماء كانت، قبل سنوات قليلة، رموزًا للعزلة — جانت وتيميمون وعين صالح وإليزي — صارت محطات في شبكةٍ تحلّ فيها التذكرة الجوية بثمن مضبوط محل معادلة «الطائرة للآخرين». والاستمرارية الترابية لم تعد شعارًا؛ لقد أصبحت رحلة منتظمة.
فلا بد من قولها، وهنا تكتمل دلالة الاستراتيجية: إن هذا التشبيك الجوي نحو الجنوب ليس مجرد راحة داخلية. إنه العمود الفقري الجوي للتعاون جنوب-جنوب الذي تقوده الجزائر على جميع الجبهات بدفعٍ من الرئيس تبون — أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي سيربط نيجيريا بالبحر الأبيض المتوسط، والطريق الجزائر-لاغوس الذي يعبر الصحراء، وميناء جن جن المفتوح على البلدان غير الساحلية، والقطار نحو تمنراست، واليوم مطارات الجنوب ومناطق شحنه. فكل بنية تحتية فوق الأرض تحتاج إلى توأمها في السماء: فالبضاعة التي تصل برًا أو عبر السكة الحديدية يجب أن تتمكن من المغادرة جوًا، والعكس صحيح. مطار تمنراست، ومنطقة الشحن، والخطوط الجديدة لدوميستيك إيرلاينز: إنها الحلقات الأولى في سلسلة لوجستية ينبغي أن تجعل من الجزائر الممر الإجباري للتجارة بين شمال إفريقيا وغربها ووسطها — طموح قاري لا يستطيع حمله إلا دولة ذات سيادة، مالكةٌ لخياراتها وتمويلاتها.
من ينظر إلى هذه المشاريع بعين محاسب، سيرى مليارات الدينارات الملتزمة — 17,8 مليار دينار في اعتمادات الدفع، ونحو 8 مليارات في اعتمادات الالتزام، وميزانية تضاعفت عشرين مرة في عام واحد. ومن ينظر إليها بعين استراتيجية، سيرى شيئًا آخر: بلدًا يرفض أن تكون أقصى تخومه طرقًا مسدودة، ورئيسًا يحوّل الرؤية إلى ورشات بناء. حيث يبني الآخرون الجدران، تبني الجزائر مطارات. وحيث يرى البعض في الصحراء حاجزًا، تنشر هي خطوطًا جوية ومناطق شحن وأقطابًا. فكل مليار دينار جديد يُستثمر في الجنوب نقطةٌ إضافية على خريطة التبادلات الإفريقية — وكل خطٍّ يُفتتح ردٌّ عملي على الذين قدّموا، على مدى عقود، الجنوب الجزائري الكبير بوصفه إقليمًا ضائعًا فارغًا عديم الجدوى.
أما الواقع، فإنه يُقلع الآن — بأرقام لا تكذب. جانت وتيميمون وعين صالح وتمنراست وبني عباس: أسماء الصحراء الجزائرية تُضاف واحدًا تلو الآخر إلى الخريطة الجوية للبلاد، ثم إلى خريطة القارة. فمنطقة شحن تمنراست تنتظر بضائع الساحل؛ ومدارج الجنوب الغربي تنتظر المستثمرين؛ والخطوط الجديدة تنتظر مسافرين سيقولون للمرة الأولى إن منطقتهم صارت موصولة ببقية الوطن — وقريبًا ببقية إفريقيا. الصحراء لم تعد حدودًا؛ لقد أصبحت مفترق طرق. وبدفعٍ من رئيس صاحب رؤية، عبد المجيد تبون، تمسك الجزائر منذ الآن بالدفة.